لا شيء يجعل أزمة بلد ما أغلى وأهم من أزمات بلدان أخرى، قد تكون شدة المآساة في منطقة ما أشد وقعاً على السمع من غيرها، ولكنّ ما علينا فعله في الحقيقة هو الوصول إلى فهم أعلى وأعمق للإنسانية حين نطلب السلام؛ فالسلام والمحبّة لا يأتيان أبداً حين يتم خلق ضحية وعدوّ.

لا شيء يجعل الدماء السودانية أوالسوريّة أو العراقية أو النيجرية أو المالية أو اليمنيّة أو الصومالية أو الليبية أو المصرية أو الفلسطينية مختلفةً عن بعضها أو عن أرواح البشر الآخرين في أي مكان من هذا العالم.

هل نكون قد أهملنا معاناة سوريا عندما نتحدث عن معاناة اليونان أم أننا نهمل فلسطين عندما نتحدث عن العراق؟! هل نكون قد تجاهلنا أزمة العرب حين نتحدث عن الطفل الذي يموت جوعاً كلّ ثلاث ثواني في إفريقيا؟ هل نكون قد تجاهلنا قتلى الحروب والصراعات الدموية عندما  نتحدث عن الملايين التي تموت سنوياً في البلدان المعدمة نتيجة الفقر والحرمان والأمراض التي يمكن تجنبها أو علاجها بكل بساطة؟

هل نحن ليبراليون لأننا نتحدث عن التكنلوجيا أم أننا شيوعيون لأننا نتحدث عن مجتمع الوفرة المجانيّ للجميع دون استثناء؟ هل نحن مع الأنظمة حين نرفض كلّ أشكال العنف في التغيّير أم أننا أصحاب ثورة حين نطالب بثورة وعيّ وثورة على القيم لتحطّيم كلّ قيود الفكرّ الهرميّ والسلطوي؟ هل نحن ملحدون لأننا نتحدث عن العلم ونظرية التطور وفساد المؤسسة الدينية، أم أننا دينيون لأننا نتحدث عن الروحانية القائمة على العاطفة بين الكائنات؟.

ما يُحزن ويحزّ في النفس هي الشتائم التي تُطلق من موقع الفرد المحشور في صندوق أفكاره الثنائية البالية، وكأن الكون مقسوم إلى قسمين لا ثالث لهما (نحن وهم) و”نحن” الأخيار و”هم” الأشرار..

ولأنّ العقل البشري مازال أسيراً لانتمائاته القبليّة الأولى؛ قام بتفصيل مفاهيم الإنسانية والأخلاق على مقياس انتمائاته الدينيّة أو المذهبيّة أو العرقيّة أو القوميّة أو الوطنيّة، التي ورثها نتيجة لصدفةْ جغرافية وزمانية لم تكن من اختياره، لذا أصبح مفهوم الإنسانية بالنسبة له هي التعاطف مع أبناء جماعته بتعصب أعمى على مبدأ القبليّة الجاهلية: “وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشدِ”.

نحن هنا لنقول أنّ الإنسانية لا تتجزأ، وأنّ كلّ هذه الأزمات مصدرها واحد، فالحروب والمجاعات والأمراض والفقر والحرمان والتشرد هي منتوجات هذه المنظومة التي نحن وأنتم كلنا ضحاياها وأجزاء فيها، وهذه المنظومة لن تتغير طالما بقينا ننظر إلى مشاكلنا بنفس الطريقة البدائية ومن الزواية الضيقة لانتمائنا الأوليّ الموروث.

أنت تتغيّر حين تقدر أن ترى أن أزمة الإنسانية أزمة واحدة، أنت تثور على وعيك حين تنتمي للأرض ولكل أشكال الحياة عليها بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، فقط حينها ستقدر أن تصل إلى فهم روحانيّ حقيقيّ وأعمق لانتمائك لنفسك كفرد ومن ثم انتمائك للمحيط الذي تعيش فيه أياً كان لونك وشكلك وموقعك الجغرافي على هذا الكوكب.

بقلم: عيسى حسن
المصدر حركة زايتجايست

Like
Like Love Haha Wow Sad Angry

ترك الرد